مصداقية الخبر

مرافئ الفكر ـ متابعات

العمل الإعلامي ومن بعد الثورة المعلوماتية التي نقلت الإعلام من طور إلى طور ، وجردته من هالة القداسة التي أحاطه بها المشتغلون التقليديون به حيث صاروا بمثابة إكليروس إعلامي لا قبل لأحد بالاقتراب من مجالهم .

العمل الإعلامي ظل يخضع لاستبدادهم وهم يفرضون على الناس الخبر كما يحلو لهم ، ويوظفونه لمختلف الأغراض بما فيها الخسيسة، ويعبثون بعقول الناس وبمشاعرهم.

والثورة المعلوماتية التي حررت الإعلام من طقوس الإكليروس الإعلامي لا تعني استباحة هذا الإعلام كما أساء فهمه البعض ، فتهافتوا على الانتساب إليه بدون وجه حق ، وصرنا بين عشية وضحاها أمام العديد من الصحفيين مع وقف التنفيذ بلا شواهد من المعاهد الإعلامية المختصة وبدون خبرة أو مهنية ، بل بتطفل يصل أحيانا حق الوقاحة .

وهكذا استبح مجال الإعلام بذريعة الثورة المعلوماتية ،وصار العبث بالخبر دون ضوابط أخلاقية . ويكفي أن يضغط المرء على زر المواقع العنكبوتية ليقرأ الأراجيف والأكاذيب ، وانتقل هذا الداء العضال من الإعلام العنكبوتي إلى الإعلام التقليدي الذي كان يعاني أصلا من التسويق الموجه والمعرض للخبر لصالح أنظمة فاسدة أو مقابل رشى . وتكونت بين عشية وضحاها عصابات ابتزاز إعلامية حلت محل الإكليروس الإعلامي التقليدي تهدد الناس من خلال التلويح بنشر الأراجيف والأكاذيب الباطلة من أجل الوصول إلى جيوبهم ، وهي قرصنة جديدة أو قطع السبيل على السابلة بأسلوب جديد .

وهكذا فكر كل من لا مهنة له في مهنة الصحافة التي صارت في حكم السائبة خصوصا في غياب مراقبة قطاع الإعلام ، وصارت بطاقات الانخراط في مجال العمل الصحفي سائبة أيضا ، وهي كل شيء بالنسبة لمدعي الانتساب إليه ، بل صارت بديلا عن الشواهد والدبلومات الإعلامية المسلمة من معاهد الإعلام المختصة و المعترف بها . ففي الوقت الذي لا يمكن لطبيب أو صيدلي أو مهندس أو غيرهم …. أن يمارس عمله دون شهادة علمية صحيحة فإن الكثير من المنتسبين إلى الحقل الإعلامي يمارسون العمل الصحفي بالفاتحة كما يقول المثل المغربي ، في غياب رقابة على المجال الصحفي الذي ولجه كل من هب ودب .

ومعلوم أن نقل الخبر في ثقافتنا الإسلامية يخضع لضوابط بنص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف إذ يقول الله تعالى في محكم التنزيل : (( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا )) ، وهذا أمر إلهي واضح بترك القول الكاذب والملفق وبرمي الناس بما ليس فيهم وبشهادة الزور ، و الحديث بما لم ير الإنسان ولم سمع ولم يعلم ، والقول بالظن الذي هو توهم وخيال . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ” ، وفي سنن أبي داود : ” بئس مطية الرجل زعموا ” أي قوله زعموا ، وفي حديث آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن أفرى الفري أن يري الرجل عينيه ما لم تريا ” ، وقد نهى الله تعالى عن قبول شهادة الكاذبين فقال فيهم جل من قائل : (( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون )) .

ومن الضوابط التي وضعها علماء الحديث رفض رواية من ثبت عنه الكذب ولو مرة واحدة . ولو قدر لعلماء الحديث التعامل مع أخبار صحافة هذا الزمان لأسقطوا معظم ما يروج من أخبار لا يدوم عمرها أكثر من دقائق معدودات لتكذب بغيرها ولجرحوا معظم نقلتها من الكذبة . وصار عمل المنتسبين إلى الحقل الصحفي بحق وبغير حق في غالب الأحيان هو الاشتغال بتسويق وتلفيق الأراجيف والأكاذيب عن طريق العنوانين المثيرة التي تستغفل القراء وتنصب على عقولهم لتخدعهم بالزائف من القول وبالزور والبهتان .

ولئن يجلس المنتسبون إلى الحقل الإعلام بدون مؤهلات أو شواهد اختصاص على قارعة الطريق يستجدون السابلة المارة خير لهم من أن يمارسوا الكدية الإعلامية المبتذلة والرخيصة التي صيرتهم أحاديث الألسنة الساخرة منهم ، وصاروا أضحوكة هذا الزمان كما صاروا جيلا جديدا من الطفيليين في هذا العصر، ولا يخدعنهم لقب صحفي مع وقف التنفيذ الذي يطربون له أشد الطرب وهم يعلمون علم اليقين أن الحقل الإعلامي منهم براء براءة الذئب من دم يوسف.

بقلم الكاتب : محمد شركي ـ بتصرف

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
الرابط المختصر: http://marafyalfekr.com/OfOEU

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *